تشهد محافظات شمال الأردن تحولاً هادئاً يتبنى فيه المزارعون ممارسات زراعية أكثر كفاءة، وتتم فيه استعادة الأراضي المتدهورة، في الوقت الذي تقوم فيه المجتمعات المحلية بدور فاعل في حماية الأراضي التي تعتمد عليها في معيشتها.
وفي صميم هذا التحول يأتي مشروع "تحقيق أهداف حيادية الأراضي المتدهورة من خلال من خلال برامج الاستعادة والإدارة المستدامة للأراضي في محافظات شمال الأردن"، الذي تنفذه الجمعية العلمية الملكية، بإشراف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وبتمويل من مرفق البيئة العالمي.
يُنفذ المشروع أنشطته ضمن 16 نسقاً طبيعياً تغطي أكثر من 107 آلاف هكتار في محافظات عجلون وإربد والمفرق، حيث لا يزال تدهور الأراضي وشح المياه والضغوط المناخية تهدد الإنتاجية الزراعية وسبل العيش في المناطق الريفية. كم تم اختيار 57 موقعاً إرشادياً مثل مدارس المزارعين الحقلية لتنفيذ أنشطة المشروع، والتي يستفيد منها نحو 2,250 مزارعاً، حيث يزود المشروع المجتمعات المحلية بالمعارف العملية والتقنيات المبتكرة اللازمة لاستصلاح الأراضي المتدهورة وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على الصمود.
وتُعد حيادية الأراضي المتدهورة نهجاً معترفاً به عالمياً، يهدف إلى ضمان استقرار مساحة الأراضي المنتجة ونوعيتها أو زيادتهما مع مرور الوقت. وببساطة، يقوم هذا النهج على ثلاثة مبادئ متكاملة: تجنب تدهور الأراضي حيثما أمكن، والحد من التدهور المستمر من خلال ممارسات الإدارة المستدامة للأراضي، وعكس مسار التدهور عبر استعادة النظم البيئية المتضررة.
ويقول ماركو دي ميلاتو، أخصائي متابعة المشروع في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة: "لا يمثل تدهور الأراضي تحدياً بيئياً فحسب، بل يؤثر بصورة مباشرة في الأمن الغذائي وسبل العيش الريفية وقدرة المجتمعات على مواجهة تداعيات تغير المناخ. ومن خلال هذا المشروع، تدمج منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بين المعرفة العلمية والحلول الميدانية العملية وخبرات المزارعين المحليين. وبوضع المجتمعات في صميم جهود استعادة الأراضي، نعمل على ضمان استمرار فوائد المشروع إلى ما بعد انتهاء فترة تنفيذه".
أما بالنسبة للمزارعين، فإن هذه المبادئ تتحول إلى إجراءات عملية، من بينها تحسين صحة التربة، والحفاظ على المياه، وزراعة النباتات الملائمة، واعتماد تقنيات زراعية ذكية مناخياً تحمي الموارد الطبيعية من جهة وتحافظ على الإنتاجية من جهة أخرى.
يوضح مدير المشروع، المهندس عبدالله الكلوب: "يتمحور المشروع حول تحويل المعرفة العلمية إلى إجراءات عملية. فمن خلال المواقع الإرشادية ومدارس المزارعين الحقلية، لا يتعلم المزارعون تقنيات جديدة فحسب، بل يعاينون بأنفسهم النتائج الملموسة التي تحققها الإدارة المستدامة للأراضي. ويشجع هذا النهج التشاركي المجتمعات على تجربة الممارسات الجديدة وتكييفها مع احتياجاتها، وصولاً إلى اعتمادها لاستعادة أراضيها وتعزيز سبل عيشها".
وتلعب المواقع الإرشادية دور فصول دراسية حية، يطّلع فيها المزارعون على التقنيات المستدامة في ظروف ميدانية حقيقية، فيما توفر مدارس المزارعين الحقلية بيئة تعليمية تفاعلية تشجع على تبادل الخبرات وحل المشكلات والتعلم بين الأقران. وبدلاً من الاكتفاء بالتدريب النظري، يكتسب المشاركون مهارات عملية يمكنهم تطبيقها مباشرة في مزارعهم.
أما مريم، وهي مزارعة تبلغ من العمر 52 عاماً من محافظة إربد، فقد غيّرت هذه التجربة أسلوب إدارتها لأرضها، حيث تقول: "أزرع الزيتون منذ سنوات طويلة، لكن مدرسة المزارعين الحقلية عرّفتني إلى أساليب ري تستخدم المياه بكفاءة أكبر بكثير، وتحافظ في الوقت نفسه على صحة أشجاري. ومع ازدياد شح المياه عاماً بعد عام، منحتني هذه التقنيات ثقة أكبر بقدرتي على مواصلة الزراعة بصورة مستدامة، مع حماية هذه الأرض لأبنائي وللأجيال القادمة".
يتبين لنا من قصص مثل قصة مريم أن الإدارة المستدامة للأراضي لا تسهم في استعادة الأنساق الطبيعية فحسب، بل تعزز أيضاً ثقة المزارعين وقدرتهم على التكيف مع الظروف البيئية المتغيرة. وتمثل تجربتها جزءاً من جهد أوسع نطاقاً للتصدي لتدهور الأراضي في مختلف أنحاء شمال الأردن.
ويرى المؤيد السيد، مدير مركز المياه والبيئة والتغير المناخي في الجمعية العلمية الملكية، أن نجاح المشروع يكمن في الجمع بين الخبرات الدولية والمحلية، يشرح قائلاً: "هذا المشروع يبين لنا ما يمكن تحقيقه عندما تقترن الشراكات العالمية بمشاركة محلية فاعلة. فبدعم من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وتمويل من مرفق البيئة العالمية، نعمل جنباً إلى جنب مع المجتمعات المحلية لتطوير حلول عملية تستجيب للتحديات البيئية التي يواجهها الأردن. ولا تقتصر رؤيتنا على استعادة الأراضي، بل نسعى إلى بناء أنساق طبيعية قادرة على الصمود ومجتمعات متمكنة تواصل الاستفادة من هذه الاستثمارات لسنوات مقبلة".
وفي ظل الضغوط المتزايدة التي تواجه موارد الأراضي والمياه في الأردن، تكتسب مبادرات من هذا النوع أهمية أكبر من أي وقت مضى. فالمساقط الطبيعية السليمة لا توفر مزارع منتجة فحسب؛ بل تعزز التنوع البيولوجي، وتحسن الحفاظ على المياه، وتحد من التأثر بتغير المناخ، وتدعم الرفاه الاقتصادي للمجتمعات الريفية.
ومن خلال الجمع بين العلم والابتكار والمشاركة المجتمعية، يبرهن مشروع حيادية الأراضي المتدهورة على أن استعادة البيئة والتنمية المستدامة يمكن أن تسيرا جنباً إلى جنب. فكل قطعة أرض تتم استعادتها، وكل ممارسة زراعية يجري تحسينها، وكل مزارع يكتسب المعرفة والتمكين، يُقرِّب الأردن خطوة إضافية نحو مستقبل تبقى فيه الأراضي السليمة تدعم الإنسان والطبيعة معاً.
لقد تم بالفعل غرس بذور القدرة على الصمود في مختلف محافظات شمال الأردن، ومع استمرار التعاون، من المتوقع أن تنمو هذه البذور لتثمر فوائد بيئية واجتماعية مستدامة تمتد إلى أجيال قادمة.


